التوافق مهم لبناء الشرعية وضمان استدامة القرارات، لكنه قد يتحوّل—في غياب التصميم—إلى أكبر مصدر لتعطيل القرارات داخل المؤسسات. الكثير من الجهات تسعى إلى “إشراك الجميع” بدافع الحَوكمة، لكن النتيجة تكون اجتماعات لا تنتهي، ومسارات اعتماد غير واضحة، وقرارات تُعاد فتحها كلما ظهر رأي جديد.
الحل ليس تقليل الإشراك، بل تصميمه كنظام يربط أصحاب المصلحة بالقرارات المناسبة في الوقت المناسب.
لماذا يتحول التوافق إلى تعطيل؟
الأسباب لا تتعلق بالخلافات بين الأطراف، بل بغياب إطار يميز بين:
- ما يجب مشاركته
- من يجب إشراكه
- متى يتم الإشراك
- ما هو دور كل طرف
من دون هذا التمييز، تظهر أنماط تعطيل معروفة:
- استشارة الجميع في كل شيء
- تشتت المساءلة بين أطراف كثيرة
- تصعيد غير مبرر بدافع “الاحتياط”
- قرارات تُعاد بعد إغلاقها
- فقدان الزخم تحت عنوان “مزيد من التوافق”
الإشكالية ليست في الأطراف، بل في هيكلة الإشراك.
الإشراك حسب نوع القرار
الجهات الأعلى نضجاً لا تتعامل مع جميع القرارات بالطريقة نفسها، بل تصنفها وتحدد دور كل طرف بوضوح.
نموذج عملي يشمل أربعة أدوار:
1. إبلاغ (Inform)
مَن يجب أن يعرف القرار، دون أن يؤثر عليه.
يُستخدم للقرارات الروتينية أو منخفضة المخاطر.
2. استشارة (Consult)
أطراف يُؤخذ رأيهم، لكن لا يملكون حق الاعتماد.
يمنع ذلك “الفيتو الصامت”.
3. قرار مشترك (Co-decide)
للقرارات التي تمس صلاحيات مشتركة أو موارد متداخلة.
يُستخدم بحذر.
4. اعتماد (Approve)
أطراف يملكون المسؤولية الرسمية والنهائية.
القاعدة: قِلّة واضحة—not لجان كبيرة.
هذا النموذج يحول الإشراك من سلسلة اجتماعات إلى تدفق مصمم للنفوذ.
ترجمة النظام إلى عمل
لكي يصبح الإشراك نظاماً فعلياً، يجب تحويله إلى ممارسات وأدوات واضحة:
1. خريطة ديناميكية لأصحاب المصلحة
تُحدَّث باستمرار وفق:
- النفوذ
- الاهتمام
- المخاطر
- الصلاحيات
- المساءلة
الخريطة ليست وثيقة ثابتة.
2. ربط الإشراك بجدول القرارات
كل قرار له:
- نافذة استشارة
- نافذة اعتماد
- موعد إغلاق واضح
هذا يمنع الدخول المتأخر الذي يعيد فتح النقاشات.
3. مذكرات قرار بدل العروض
المذكرة توضح:
- سياق القرار
- الخيارات والمفاضلات
- مواقف الأطراف
- المخاطر
- التوصية
المذكرات تقلل زمن الاجتماع وتزيد جودة النقاش.
4. مسارات تصعيد واضحة
عند تعارض المواقف:
- يوجد مسار واحد
- ضمن زمن محدد
- ينتهي بقرار—not اجتماع إضافي
التصعيد المصمم يحمي الزخم.
5. شفافية في القرار والمساءلة
يتم توثيق القرارات في سجل واضح:
- من قرر
- من استُشير
- ما الافتراضات
- ما المطلوب تنفيذه
هذا يقلل “ما بعد القرار” ويمنع إعادة الفتح.
ماذا يحقق نظام الإشراك المنضبط؟
- تسريع اتخاذ القرار
- وضوح أدوار وتوقعات الأطراف
- تحسين الثقة
- تقليل إعادة العمل
- رفع الالتزام بالتنفيذ
- زخم يتراكم بمرور الوقت
الزخم ليس ناتجاً عن السرعة فقط… بل عن الوضوح.
خاتمة
التوافق ليس لعبة عدد الاجتماعات—إنه لعبة تصميم.
نظام إشراك منضبط يحافظ على الشرعية دون التضحية بالزخم. ومع وضوح النفوذ والأدوار، تصبح القرارات أسرع، والمساءلة أقوى، والتنفيذ أكثر موثوقية.
هل أنت مستعد لقيادة التغيير؟
لنتواصل لترى كيف يمكن لراسي الاستشارية اطلاق ودعم رحلة التحول والنمو الخاصة بكم.